الأربعاء، 20 مايو 2015

رسائل إلى الخال رمَّان (5) الوداع - الاسماعيلية

// // Leave a Comment
رسائل إلى الخال رُمَّان(5) الاسماعيلية - الوداع
 فاطمة القدال، الخال، رؤى القدال أم خالد، وأمهما آمنة القدال
 فاطمة الآن في الماجستير بجامعة التقانة ورؤى تخرجت في المعامل الطبية في جامعة الرباط وأمهما ما زالت معلمة
الوقوف من اليمين: ياسر العوض، والمهندسون: محمد ابراهيم طه القدال، الواثق ثم وائل محمد طه القدال
فالعملاقان وردي والخال



-         وبعدين معاك يا رُمَّان!!
زيِّ ما بتناديك العَمَّة "يامنة"
-         طب انت مش قلتلي يوم نَـشَـر الجرابيع إشاعة موتك:
(يعني يا مْحمد .. يعني حاموت قبلِ ما اقولَّك؟؟)
-         طب اهو انت راخر رحت يا خال، وما قلتليش ولا عبّرتنيش.
----------------------------------------------------------------------------------------------------------

صار الهاتف بيننا. لأقول لك كل سنة وانت طيب ولأسأل عن صحتك وأتابع تطورات علاجك ولأعزيك في من رحل من أصدقائك. أتصل عليك كلما توفي واحدٌ من أحبابك. يتدفق أساك عليهم عبر الأثير.

البركة فيكم يا خال .. في أمل

-         دنقل راح يا محمد .. دا كان بيناتنا عُمْر
-         عميري اتخطف يا محمد .. يا عيني عليه وعلى شبابو
-         راحوا الحبايب يا محمد .. يا حسرة عليك يا ناجي
وفي كل محادثة بعد فراق أي واحد من الأصدقاء تأتي زفراتك حرى من على الهاتف
-         رحل نجيب (محفوظ) يا محمد
-         أهو بيتسللوا مننا واحد واحد .. آااااااه يا محمود يا درويش
-         يا خسارتنا فيك يا حميد .. كان نفسنى ألاقيه
-         يااااه يا محجوب شريف

في كل مرة يتجدد أساك..

أسألك في أربعينية محجوب أن تخاطب الحشود المتجمعة في (بيت الشعب)عبر الهاتف:

-         حاضر بس مش برضك الواجب الأول لما اتكلم مع أميرة والبنتين (مريم ومي)؟

كان حديثك إليهما مسعداً وبلسماً رغم جراحهن العميقة في فقدهن محجوبهن، محبوبهن ومحجوبنا ومحبوبنا كلنا. ولكن محجوب القوي علمهن كما علمنا القوة وتجاوز الحزن السالب إلى الفعل الموجب. وكان حديثك في الاحتفالية مساءً للجموع المحتشدة بميدان (بيت الشعب) حديث أخ شاعر ورفيق مناضل وصديق يعرف قيمة محجوب وعزة وطنه وصمود شعبه.
كان بينكما تشابه غريب، كما التوأم.
كتبتما السهل الممتنع بلسان الناس العاديين، عشتما بساطة الحياة بعفوية الأطفال، رفضتما تكبر وعنجهية الديكتاتورية فذقتما سجونها، غنيتما لوطنيكما، كما غنيتما للإنسان في كل مكان، أحببتما الطرفة ورويتما النكتة الذكية عفو الخاطر، أحبكما الناس في وطنيكما وأسبغاء عليكما ما يحبون من ألقاب مضت عليكما والتصقت بكما حتى الرحيل وبعد الرحيل. فأنت (خال الشعب) وهو (شاعر الشعب) أحببتما وأنجب كلٌ منكما بنتين كل بنت منهن قمر منير غرستما فيهن الصبر ورجاحة العقل. وأخيراً أصبتما بنفس الداء في صدريكما وصبرتما على العلة صبر الأنبياء ورحلتما عنا وأنتما تكتبان الشعر من تحت كمامة الأكسجين.

هاتفتك مرة أستفسر عن الصحة.
-         لأ المرة دي أنا مش كويس يا محمد. الدكتور بيقول إن الرئة متناقصة بشكل مريع. الريس (السيسي) أصرَّ إن انا أروح على باريس بس أنا رفضت.. مافيش فايدة.. مانا رحت قبليها .. بعزقة فلوس يعني؟
-         شوف يا خال .. وقت قريب إن شاء الله وأكون معاك.
-         والله مش عارف .. يمكن تلحقني أو ما تلحقنيش.
كان صوتك متعباً .. تأتي الكحة بين كلمتك أو تأتي كلماتك من خلال الكحة.. أشعر بالخوف

تخرج بين الفينة والأخرى شائعة وفاتك على وسائط التواصل الاجتماعي.. يطلقها الأفاقون والحاسدون والذين في قلوبهم مرض. أهرع إلى تويتر فأجد موالك اليومي فأطمئن قليلاً وأسارع إلى الخمسة من أرقام هواتفك .. أحاول الأول فلا يجيب والثاني والثالث فيأتيني صوتك أجشَّاً يطمئن رغم الوهن:

-         بتطمَّن عليا يا محمد بعد ما عرفت إنهم موتوني على الفيسبوك؟ والله فيك البركة. همَّ هيموِّتوني قبل يومي .. أولاد الأبالسة؟ لا يا سيدي قول لهم أنا ما مُتِّش لحد دالوقت .. يعني يا مْحمد .. يعني حاموت قبلِ ما اقولَّك؟
ونضحك ضحكتنا
مساءً يهاتفني الحبيب أزهري بعد يومين:

-         إيه رأيك نسافر اسماعيلية للخال
-         طواااالي.. والله ود حلال يا حبيب .. كنت أتحث معه قبل يومين وقلت له أجيك في اسماعيلية. ح أكلم فاضلابي في القاهرة يلاقينا في المطار ومن هناك إلي الإسماعيلية مباشرة.
وكان أن جاء فاضلابي وجمال ود كري وقد جمعا حروف الشين ثلاث، الشباب والشهامة والشعر.. وتهنا بين ترع الإسماعيلية مرة ثانية .. أو تاهت منا (الضبعية) ..
وكان اللقاء المرح وأنت تتحامل على نفسك .. كنا نرى فرحتك بالزيارة جلية. أتيت من الغرفة وأنت تتكئ على عصاك. جلست وأنت (تجابد) النفس..
-         يا مرحبا .. خليني آخد نفسي الأول.
وحكيت لنا هذه المرة. حكيت عن كيف فلحت هذه الأرض وهيأتها لتكون أرضاً طيبة بعد أن كانت سبخة مالحة غير مفيدة.
وقلت لنا مقطعاً (مرباع .. موال) موجه لمرسي. وحكيت وحكيت حتى رفقنا بك من كثرة الحكي.
وضحكنا ضحكتنا
أكلنا عندك وأنت تتعامل بكرم الفلاحين .. قضينا معك سحابة النهار .. وعندما قمنا للوداع قمت من دون عصاة. كان أثر الزيارة واضحاً عليك. كانت روحك عالية ونكتتك حاضرة. قال لنا من كان يقوم مقام (محمود): .. لأول مرة أرى الخال يودع زائراً خارج بوابة آية نور. والسيارة تبتعد في زقاق آية ونور، ألتفت لأراك من وراء زجاج السيارة ماتزال واقفاً أمام البوابة تلوح لنا مودعاً وما كنت أظنها لحظات الوداع الأخير.
عرجنا على دار (محمود) الذي يرقد ورجله في الجبس وكان قد تعرض لحادث كسر أبعده عنك لشهور.
أهاتفك في كل عيدٍ لميلادك في ليلة عيدك التي تسبق يوم عيدك إلا عيدك الأخير.. ذكرتنيه نعمة شقيقة بلقيس عوض وهنَّ من أقرب أصدقائك. تحدثت إليك في 11 أبريل يوم عيدك. وكان صوتك ضعيفاً وأخبرت أزهري ليتصل عليك وكذلك بلقيس وهند بنت عثمان وكل أسرتها لمطايبتك في ذاك اليوم.

-         سلامات يا خال .. كل سنة وانت طيب وبألف خير وربنا يديك الصحة والعافية وتقوم لينا وانت تمام التمام.
-         أقوم على فين يا محمد؟ دانا ليا كام يوم في المستشفى .. الحمد لله .. طول ما بسمع صوتك وبتتصل بيا فأنا كويس.

نغمة أسمعها لأول مرة .. كنت دائماً تطمئن من حولك بأنك ما زلت بخير. أحسست بعدها بالخوف وهذه المرة بالحزن أيضاً. هاتفتك بعد ثلاثة أيام وأنت ما زلت بالمستشفى.. ازداد الصوت ضعفاً

-         الرئة يا محمد .. باقي منها يجي أصغر من نص كفة الإيد.. وحتى الباقي منها مش شايف شغلُه.

كانت نهال بقربك في الغرفة تسمع حديثنا كما قالت لي لاحقاً وأنا أعزيها ونفسي بعد الوفاة. تحدثت إلى محمود وهو يشرق بعبرة الحزن. سألته (إن كان بشوف نهال والبنات وبيمر عليهم)
-         ما انا قاعد ويَّاهم هاسيبهم إزاي أنا معهم في البيت؟
يا لك من شهم وفيّ يا محمود. ومش حانسيبهم كمان يا خال.
 لم أتحدث إلى آية ونور بعد ولا أدري متى سوف أتحدث إليهما. تابعت عربة الجثمان من شاشة التلفزيون وهي تنقلك إلى مثواك الأخير، كان نقلاً مباشراً يشمل المعنيين. من الحياة إلى الدار الآخرة ومن الحياة إلى المشاهدين في جميع أنحاء العالم. بكى القلب وماستطاعت العين. لقد تحجرت منابع الدمع يا صديقي منذ سنين. توفيت الحرم والدتي على يدي ورحل إبراهيم شقيقي على يدي ومضي حميد وكنت واحداً من اثنين وصلا إليه في المستشفى الذي كان يرقد فيه جسداً بعد الحادث وغادرنا محجوب وأنا أقرأ عليه القرآن في غرفته بمستشفى تقى.. ماعادت هنالك دموع يا صديقي .. هو بكاء القلب .. فقط .. القلب.

انقضت الأيام والسنون وتسربت منا كما يتسرب الماء من بين الأصابع
أربعون عاماً ونيف مضين من الود الصادق والمحبة التي ليس فيها دَخَل.
مددت لي يدك وأعنتني ونوَّهت بي، كشاعرِ، في المحافل.
أحببت السودان والسودانيين واعتززت بعشقهم لشعرك، وكثر بينهم أصدقاؤك أفراداً وعوائلا.
أحببت مصر والمصريين حباً ملك عليك شغاف قلبك.
أحببت الإنسان كإنسان في جميع الناس الطيبين الفقراء والمساكين.
عشت عمرك في العمل الجاد المفيد شعراً وبحثاً وجمعاً للتراث.
فأحبك الناس جميعاً وكثيراً...
كما أحببتهم.

أرسل لك ما أرسلت فاطنة لحراجي:

(كل الجبلاية تسلم فرداً فرد..
مِ الحاج "طِلب حامد" لعيلِّة بيت "علي سعد"
وانشالله يا حراجي ما يورّيني فيك يوم
وانشالله تكون تعلمت تردّ قوام..
وما دمنا احنا رسينا عالعنوان
والله ما حنبطّل بَعَتان..
مفهوم..
أسوان..
فاطنة احمد عبد الغفار
جبلاية الفار)

ليرحمك الرحمن الرحيم يا عبد الرحمان
ولينزل على قبرك شآبيب الرحمة والمغفرة ولينزلك منزل صدق.
  
Read More

الاثنين، 18 مايو 2015

(4) الإسماعيلية (أ)

// // Leave a Comment
(4) في الاسماعيلية(ِِأ)


الأزهري، الأبنودي، القدال، الفاضلابي
-         وبعدين معاك يا رُمَّان!!
زيِّ ما بتناديك العَمَّة "يامنة"
-         طب انت مش قلتلي يوم نَـشَـر الجرابيع إشاعة موتك:
(يعني يا مْحمد .. يعني حاموت قبلِ ما اقولَّك؟؟)
-         طب اهو انت راخر رحت يا خال، وما قلتليش ولا عبّرتنيش.

وبعد الاستقبال والسؤال عن الحال والأحوال في السودان وعن حال الأولاد وأمهم.

-         لأ أنا مش راجع مصر. (القاهرة). الدكاترة همَّ اللي حكموا علي بكدا. القاهرة ملوثة وأنا سدري ما يستحملش.
-         طيب والولاد
-         أهو بيجولي كل نهاية اسبوع يقعدُم ويايا حبتين وبعدين يرجعُم. آية هتخلَّص جامعة ونهال تشتغل في التلفزيون ونور ماشية كويس في المدرسة.
-         تعالا أفرَّجَك على زراعتي.
-         شوف يا خال انت فلاح وأنا مزارع أنا برضو أعرف في الزراعة .. وأنا شايف انت عملت شدر منقة كتير إن شاء الله تكون حلوة
-         ما انت حتاخد معاك منها للقاهرة وحتدوقها بقى وتديني رأيك.

شمس الأصيل ترمي بذهبها على أعالي الشجر وتصبغه بلونها وأمد سبابتي ناحية (منقاية) في الأعلى:
-         ديك واحدة نجيضة يا خال .. لونها أصفر
-          
وتضحك ضحكتك يا أبو العيون ضحَّاكة:

-         لا يا سيدي.. أدي واحدة من خيباتك كمزارع. مش طايبة. بس الشمس تديها اللون الدهبي وتغشك. ولو نزلناها هنلاقيها لسة بدري عليها. مش طايبة.
-         لا يا خال ما فيش داعي نقطع الما طايب .. أنا مصدقك .. يعني ح أغالط فلاح في أرضو؟
ونضحك ضحكتنا
-         أصيلة النبقاية دي هية.. شايفها كبيرة ازاي؟ تاكل تلاتة منهم يفطروك..
-         نحن نقول عليه النبق الفارسي .. نبقنا صغير الحجم ويؤكل وهو لين أو جاف
-         يا عم ولا فارسي ولا حاجة .. كنا ناكلو في أبنود وإحنا عيال .. الأرض دي أنا تعبت فيها كتير على ما تصبح أرض .. هاقولك قصتها معايا.

خرجت منك يومها دون أن أسمع قصتها وشاءت الأقدار أن تحكيها لنا موثقة في آخر زيارة للاسماعيلية مع الأصدقاء أزهري والفاضلابي وجمال وهذه قصة أخرى.

حدثتني يومها عن الكثير من أصدقائك. عن جلستكم اليومية مع الكبير نجيب محفوظ واحتفالكم به أنت والغيطاني وثلة من الأصدقاء وعن حرصه على هذه الملازمة برغم وهن السمع .. تقرأون له الأشعار والقصص بالصوت العالي ليسمع.

وحدثتني عن درويش وعن الصداقة الممتدة بينكما وأريتني صوره معك ومع نهال والبنات ورأيت الأريحية. حدثتنى كيف أنه زارك قبل العملية ولم تكن راضياً أن يذهب إليها برجليه. أثار فيك موته شجناً آخرا وانت تصف لي ناجي العلي الصديق والمناضل بريشته .. ذهب هو الآخر وهو يرفع يديه عالياً وليس وراء ظهره كما كانت شخصية رسوماته.

ويدخل محمود بالغداء وأنت لا تأكل منه شيئاً .. أكلت أنا بنهم الجائع وأنت قصادي تحدثني وتحدثني .. عن محمد حسنين هيكل وعبد الناصر و(أيامي الحلة) الذي بصدد أن يصدر. سمعت الحكاوي التي فيه منك شخصياً.. طفولتك في أبنود والشيخ الأبنودي وأمك وأخواتك .. والشغل في قنا ويحي الطاهر عبد الله و أمل دنقل وأيام انتقالكم إلى القاهرة وعلاقتك برشدي وأغنية عدوية التي (كسرت الدنيا) وقتها. واقتناع عبد الحليم باللون الشعبي وطريقته الخاصة في اقتناصك. وعلى حسب وداد قلبي وأغاني الثورة وأغاني المقاومة وعدى النهار وحدثتني عن أيام بورسعيد وأيام المقاومة. عن إبراهيم أبو العيون وأحمد سماعين.

وحدثتني عن محجوب شريف وكييف أن (الواد) منير قد برع في أداء أغنية (القلب مساكن شعبية) وقلت لك أننا لم نكن راضين لأن كل من غنى أغنية سودانية من الفنانين المصريين أوالكويتيين نسبها إلى التراث النوبي ولم يحفظ الحقوق الأدبية لكاتب أو ملحن أو مغني. وقلت حينها أن غناء الغير في مصلحة الأغنية. وقلت لك أن محجوب يعاني من نفس ما تعاني كأنه وقع الحافر على الحافر.. وتسألني عن زوجه وبناته .. وأقول هل تم اتفاق بينكما؟ لأنه أيضاً خلّف بنتين (مريم ومي) ... وتسألني عن كمال الجزولي شقيق أميرة زوجة محجوب.. وتظل تسأل عن كل الأصدقاء.. الأحياء منهم والذين مضوا .. وتتحسر على عميري (اتخطف يا محمد).
وأحدثك عن اتجاهات الشعر الجديد في السودان .. عن أزهري وحميد وعاطف خيري. التقيت بعدها بأزهري وكان القدر أسرع منك ومن حميد.

ويدخل محمود بمقطف ملآن بالمانجو .. تأخذ واحدة وتقطعها من منتصفها وتدوِّر ما قطعت بين يديك الأثنين فيخرج قمعها فتمد لي ملعقة الشاي الصغيرة وتقول لي: دوق بقى. أخرط من القمع عسلاً وأستغرب من حلاوتها. حلاوة لم أذق مثلها في مانجو.. وكنت أظن أن المانجو شجرتنا نحن تنبت في مناخنا وحده .. من سافاناه إلى استوائه.

-         الأرض دي تعبت فيها .. بس الإسماعيلية كلها مشهورة بالمنجة الحلوة

مقطف المانجو بقي معي طوال فترة وجودي بالقاهرة .. بل أهديت منه إلى بعض الأصدقاء وأن مزهوٌّ بمانجو الخال.. الحلو.

ودعتك عند المغيب وفي رأسي تدور القصيدة:

          موال للخال                                  
الشمس شمس الأصيل .. والمنجه لون الدهبْ
طـايبه لبقّ الفـقير ..  وكلّ من هـبْ ودبْ
طايـبه يا عم ابراهيم ..  وبالأمـاره عسـل
طايبه في سقف السجر .. بس النظر ع العتبْ
           صحة وعافيه ياخال

ع الشـط نام السبيط .. والتـرعه فركة كعبْ
يا عمي روح اسـتحم .. قال السـبيط للرطبْ
فـينك يا عم ابراهيم .. فرْحك لعندك وصـلْ
الـفلّ مسـتنظرك .. والورد عـندك عـجبْ
          صحه وعافية يا خال

عـطشان وقـلبك سبيل .. م الحزن عبا وعَبْ
حُب الخلايق تِـقيل .. جواّكْ في ممشى العصبْ
الواد تاه يا ابراهيم, (آيـه ونـور)(*)لم وصلْ
قـلب الحبايب دلـيل .. نـبق الحبايب عـنبْ
  صحة وعافية يا خال

ياغـنوة يا محـنيّة ..  شـعرك بـلون التعبْ
هوّ اللي من سُـمرتك .. مشّى الغنا ع اللـهبْ
غـنوة لـعم ابراهيم.. غـنوة لـبُكره.. أمَـلْ
هوّ اللي قـال للحزين..  ياحزن تَـبّـاً وتَـبْ
            صحة وعافية يا خال

درويش في حضن الغيطان .. طولان ونُصك خشبْ
يا عود مخضّر عيدان ..  نشاب في سِـدرك نَشَـبْ
يا بو العـيون يا ابراهيم(**).. قـال لك بيان بالعـملْ
عـيني وبارده عـليه .. سـبعين ولسََّـاتو شـابْ
 صحة وعافية يا خال

و الـدنيا مـن بسـمته  ..  وش النهار انحســبْ
أنا وانت يا بوالعـيون .. نكسب حـبيب  ينكـسبْ
غنوة .. ياعـم ابراهيم .. معجـونة طمي بْطَـمَـلْ(***)
مــوال وخالي دا خال .. لُه في الـهلالي نســبْ(****)

 صحة وعافية يا خال
(*) بيت الأبنودي بالإسماعيلية مسمى على بنتيه (آية ونور)
(**) عم ابراهيم ابو العيون من شخصيات (وجوه ع الشط) وهي شخصية حقيقة وصديق
أيام حرب السويس
(***) الطمي رقيق القوام واكثر سيولة
(****) إشارة إلى السيرة الهلالية جمعها الخال على مدى 20 عاماً
حليوة - الأربعاء     1/10/2008





وكان بعد حين
Read More

الأربعاء، 6 مايو 2015

آخر حديث للخال من المستشفى

// // Leave a Comment
فيديو: لقاء قناة CBC مع الخال في آخر حديث له للتلفزيون من المستشفى




https://youtu.be/JzCidM5xOAc?t=676



Read More

الثلاثاء، 5 مايو 2015

رسائل إلى الخال (3) نحو الإسماعيلية

// // Leave a Comment
(3) إلى الاسماعيلية




-         وبعدين معاك يا رُمَّان!!
زيِّ ما بتناديك العَمَّة "يامنة"
-         طب انت مش قلتلي يوم نَـشَـر الجرابيع إشاعة موتك:
(يعني يا مْحمد .. يعني حاموت قبلِ ما اقولَّك؟؟)
-         طب اهو انت راخر رحت يا خال، وما قلتليش ولا عبّرتنيش.

 الخط جميل الأنيق

-         ألو يا خال أنا وصلت مصر البارح وجاي عليك في اسماعيلية
-         يا مرحبا يا مرحبا.. هتركب البص للاسماعيلية .. أول ما هتنزل م البص خد أول تكاسي تقوللو وديني ع الضبعية. هوَّ يعرف. فيه نزلة من الترعة عند مركز الشباب .. تنزل من شارع الإسفلت زي مشية كدة .. شارع ..  بس ما هواش مسفلت .. وتاخد على يمينك .. آية ونور يكون في الوش. أقولك! أول ما تأخد التاكسي إديني الراجل ع الموبايل.

فرحاً كنت.. فرحاً يفرهد داخلك كحقل ورود ولا تستطيع أن تصرِّح به وسط محطة بص. أحاول أن أري كل شيئ في الطريق فأنا متجه نحو شط القناة .. وسيناء على الضفة الغربية. الترعة الرئيسية متجهة معي من النيل شرقاً .. والخضرة على جنبتيها .. ترعة عريضة ويبدو أنها عميقة ووبالتأكيد معتنىً بها.. أشجار النخيل ترمي بظلالها على صفحة الماء وبين الفينة والأخرى تجد كوبري أوقنطرة مثل التي عندنا في الجزيرة. والمكان كله ذكرني بالجزيرة الخضراء الحبيبة التي لم تكن قد هدمها المجرمون بعد. تتفرع ترعة أخرى أصغر ثم تتفرع الترع الصغيرة إلى جداول تروى الغيطان. نحن نسميها أبو عشرين ثم أبو ستة ثم الجداول الصغيرة (فالتقانت) التي تروي الحيضان. الطريق مسفلت ومستوي وليس به حُفر. وعلى طول الطريق تقوم مزارع تنثر الخضرة على الجانبين. أسأل نفسي هل هذه المزارع والجناين تخص الفلاحين أم هي تتبع للمستثمرين العتاة من القطط السمان؟ المحطة الرئيسية .. وأنزل إلى سائق التاكسي وبعد يا بيه ويا باشا وابن النيل وحبايبنا والسلام المطول:
-         انت تعرف الخال؟
-         يصمت قليلاً .. الخال مييين؟عبد الرحمن الأبنودي؟
-         أيوه
-         في حد ياخال ما يعرفش الخال؟
-         تعرف فيلا آية ونور محل ساكن في الضبعية؟
-         ما انت اللي حتنوَّري يا باشا
أتصل عليك وأعطيك صاحب التاكسي على الموبايل وهو غير مصدق أنه شخصياً سوف يتحدث مع الخال شخصياً.
-         إحنا اتشرفنا يا باشا .. أيوه يا باشا .. أأصد يا خال .. حاضر يا خال .. على عيني وراسي  .. آاا والنبي .. لا الأستاذ حيكون في عنيَّا اللإتنين.. آاا ..
-         يأتي صوتك: عشرة دقايق والتاكس حيوصلك عَـندي لحد (آية ونور) يا محمد.. يالا يا حبيبي بالسلامة.

ومضينا في طريق الترعة وهي بالأحرى ترع تتفرع منها ترع. خضرة الحقول الممتدة خضرة داكنة مفعمة بروائح الزرع والطين والماء. وهنا وهنا على حواف الغيطان جاموسة عظيمة تأكل مما وُضِع لها تأكله بشراهة وسط تلالٍ من روثها. ومن باب حُب الاستطلاع أسالُ السائق لماذا يتجمع الروث بكثرة هكذا تلالاً قرب الجاموسة:
-         الجاموسة دي هيَّه الخير والبركة يا أستاذ. تدينا اللبن وسماد الأرض وبعدين اللحم. أجدع سماد للأرض، (بعر) الجاموسة سماد طبيعي.. كيماوي إيه .. طول مانت تعلفها تنوِّلك السماد.
-         عرفت من الخال إنك من السودان .. إبن النيل .. أجدعها ناس.. آاا والله
-         وانت من وين؟
-         أصلاً من السويس .. كان لينا أرض وناس وأهل هناك بس جينا في التهجير من أيام الحرب وما قدرناش نرجع .. المعايش جبارة يا خال.
وتمضي بنا الملاغاة زمناً نصحو فيه على رنين الموبايل. ويأتي صوتك عالياً قلقاً:
-         فينكو يا محمد دانتو ليكو يجي نص ساعة .. الراجل تاه والا إيه؟ هاتلي الراجل بتوع التاكس ابن الإيه.. دا هيتوه بيك.
لقد كنتَ في غاية الانزعاج.. مثل أمٍ تاه عنها أطفالها في زحمة المولد. لم أكن أتوقع ذلك. كاد يتقطّع نفسك وأنت تحاول أن توصف الطريق مرة أخرى فتتم الجملة وأنت تناهد لتلتقط الشهيق. أعطيت الهاتف للسائق اللطيف فرأيت الارتباك على وجه الرجل وهو يتلقى انزعاجك.
-         طيب .. حاضر .. هارجع من الدخلة الأولانية .. اللي قصاد مركز الشباب  .. حاضر يا باشا .. حاضر يا خال..
أسمعك تكح ويرتفع أزيز صدرك أتأثر لقلقك علينا أيما تأثر وأقلق أكثر على صحتك:
-         إيه يا خال ح تقوَّم نفسك ليه نِحنَ حنوصل .. في الآخر يعني حنوصل.
وعند اللفة كنتُ أمام بوابة )آية ونور) .. بوابة عريضة وعالية..

وكان بعد حين ...


قدال فاضلابي أبنودي أزهري – آخر لقاء في آخر زيارة للضبعية بالإسماعيلية




Read More

الأحد، 3 مايو 2015

الصحافة المصرية والسودانيين

// // Leave a Comment


يرجع الفضل في هذا الخبر أدناه حول معضلة أين يتم دفن الشاعر الراحل محمد مفتاح الفيتوري عليه شآبيب الرحمة، والمنشور في الأهرام القاهرية، للأخوين طلحة وطارق جبريل في الرباط، بالمغرب. لأني كتبته نقلاً عنهما، فهما الذان كانا يتابعان تطورات مراسيم جنازة الراحل الكبير  محمد مفتاح الفيتوري عليه رحمة الله. المعلوم أن الأمر قد حسمته العائلة المغربية ووري الراحل الثرى المغربي في مقبرة الشهداء بالرباط وشارك فيه لفيف من الرسميين المغاربة والسودانيين وجمهور كبير من الجالية السودانية في بلاد المغرب.

ثم إن إخواننا في الصحافة المصرية، ومن قديم الزمان، لا يبذلون جهداً ولو قليلاً في تحقيق أو نطق أو كتابة السودان في صفته الصحيحة. فهم يؤنثونه لأن مصر .. بهية .. مؤنثة، وأغلب الدول العربية كذلك أو هي منسوية إلى مؤنث مثل دولة أو جمهورية أو مملكة. ونحن بالطبع جمهورية السودان ولا بد من تأنيث الجمهورية ولكن السودان المجرد من صفته مذكر وتأنيثه يخل بالصياغة. أنا جندري وأفخر بمناصرتي للمرأة ولكني أحفل كذلك باللغة الصحيحة ونحن أيضاً لنا توقٌ إلى التأنيث فعندما أردنا خلق رمز مقابل ل (بهية) أخترنا (عزة ) لترمز إلى ألأرض أو الحبيبة . والغريب ألا أحد يقول (اليمن السعيدة) فهو السعيد على الدوام، وأرجو من الله أن تزول غمته. وأيضاً إخوتنا في الشمال لا يجهدون أنفسهم في كتابة أسماء السودانيين بالطريقة الصحيحة ولكن يكتبونها بما يريح نطقهم هم. وطبعاً نحن السودانيون لا يرضينا ذلك من أيام  (السيد اسماعيل أحمد الأزهري) أو الرئيس (محمد جعفر النوميري) .. وأيضاً هذا بدا هكذا لأنه على نسق أن كل مصري مسلم يحمَّد ثم يكون له اسم آخر فنقول (محمد أنور السادات أي أنور السادات) أو محمد حسني مبارك أي حسني مبارك). ويعتقد الكثير منا أن تبديل أسمائنا مقصود أو مستفز .. ولكني أعتقد أنه غير مقصود  ولا يجب أن يكون مستفزاً.. إنه نوع من الكسل الذهني. فقط مثله مثل الكسل الذهني الذي نمارسه نحن أيضاً كسودانيين عندما نحول القاف غينا ونقول (الفريغ الغومي الذي نشأ بعد الاستغلال وينادي مؤذننا : غد غامت الصلاااااه).


Read More